وهبة الزحيلي

41

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

البلاغة : وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ . وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ سجع رصين غير متكلف يزيد في جمال الأسلوب ، وبين السماء والأرض طباق . المفردات اللغوية : بِأَيْدٍ بقوة ، مثل الآد . لَمُوسِعُونَ لقادرون على خلقها وخلق غيرها ، من الوسع : بمعنى الطاقة ، والموسع : القادر على الإنفاق ، يقال : آد الرجل يئيد : قوي ، وأوسع الرجل : صار ذا سعة وقوة . فَرَشْناها مهدناها وبسطناها كالفراش لتستقروا عليها ، يقال : مهد الفراش : إذا بسطه ووطّأه ، وتمهيد الأمور : تسويتها وإصلاحها . فَنِعْمَ الْماهِدُونَ أي نحن . وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي من كل جنس من الأجناس . زَوْجَيْنِ صنفين ونوعين : ذكر وأنثى ، وسماء وأرض ، وشمس وقمر ، وسهل وجبل ، وصيف وشتاء ، وحلو وحامض ، ونور وظلمة . لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي تتذكرون ، فتعلموا أن التعدد من خواص الممكنات ، أما الواجب بالذات خالق الأزواج فهو فرد واحد لا يقبل التعدد والانقسام . فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ فروا من عقابه إلى ثوابه ورضاه بالإقرار بالتوحيد وملازمة الطاعة وتجنب المعصية . إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ أي إني من عذابه المعدّ لمن أشرك أو عصى بيّن الإنذار والتخويف . وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إفراد وتوحيد لمن يفرّ إليه ويلجأ لجنابة ، أي وقل لهم : لا تجعلوا . . إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ تكرير الجملة للتأكيد . المناسبة : بعد إثبات وقوع البعث أو الحشر والمعاد لا محالة ، أقام اللّه تعالى الأدلة على الوحدانية وعظيم القدرة ، من خلق السماء محكمة البنيان ، والأرض ممهدة كالفراش للاستقرار عليها ، وخلق الجنسين كالذكر والأنثى من كل نوع من أنواع الحيوان ، والصنفين المتضادين من بقية الأشياء ، عدّد الحسن البصري أشياء كالسماء والأرض ، والليل والنهار ، والشمس والقمر ، والبر والبحر ، والموت والحياة ، وقال : كل اثنين منها زوج ، واللّه تعالى فرد لا مثيل له .